محمد سعيد رمضان البوطي
54
من روايع القرآن
روى أبو عمرو الداني عن أشهب ، قال : سئل مالك رحمه اللّه : هل بكتب المصحف على ما أخذته الناس من الهجاء ؟ فقال : لا ، إلا على الكتبة الأولى ، وسئل مالك مرة أخرى عن الحروف في القرآن مثل الواو والألف : أترى أن تغير من المصحف إذا وجدوا فيه ذلك ؟ فقال : لا : وذهب أحمد بن حنبل رحمه اللّه إلى أنه تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك « 1 » . وليس يعنينا هنا ، أن نعرض لتحقيق الحكم الشرعي في هذا الأمر ، خصوصا في مجالات التعليم والتدريس ، إنما الذي نقصد إليه هو أن نتأمل في مدى الحيطة والشدّة العجيبتين اللتين صين بهما القرآن خلال تاريخ وصوله إلينا . أما الظاهرة الثانية : فقد دخلها التطوير . والتحسين فيما بعد ، كما نجد أثر ذلك في رسم المصاحف في عصرنا هذا . وأصحّ ما قيل عن تاريخ أول طور تحسيني دخل رسم القرآن ، أنه كان في عهد التابعين في منتصف القرن الأول للهجرة ، وأصحّ ما قيل فيمن باشر ذلك أنه أبو الأسود الدؤلي الذي توفي عام تسع وستين . فقد أجمعت روايات الثقات - كما يقول المرحوم مصطفى صادق الرافعي - على أن أبا الأسود الدؤلي هو أول من وضع النحو بإشارة من علي ابن أبي طالب رضي اللّه عنه . ولعلك تقول : فما علاقة وضع النحو بتحسين رسم القرآن ، وهل يلزم من أن أبا الأسود الدؤلي هو الواضع للنحو أن يكون هو أول مباشر لتحسين الرسم القرآني ؟ والجواب : إن عامّة روايات هؤلاء الثقات تتفق على أن سبب وضعه النحو هو ما رآه أو قيل له من شيوع اللحن في قراءة القرآن ، كما تتفق معظم هذه الروايات - ومنها رواية أبي الطيب اللغوي وابن النديم وابن عساكر - على
--> ( 1 ) انظر البرهان : 1 - 279 .